يرى الكاتب سيدني بلومنثال أن إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعلان النصر خلال الحرب مع إيران لم يكن سوى محاولة لإخفاء إخفاق استراتيجي واسع النطاق. ويجادل الكاتب بأن ترامب بالغ مرارًا في تصوير الحرب باعتبارها نجاحًا حاسمًا، رغم أن النتائج النهائية أظهرت، بحسب رؤيته، تراجع النفوذ الأمريكي وتعزيز موقع إيران الإقليمي والدولي. ويؤكد أن الخطاب الاحتفالي الذي رافق الحرب لم ينجح في إخفاء التداعيات السياسية والاقتصادية التي ترتبت عليها.

 

ونشرت صحيفة الجارديان هذا المقال التحليلي الذي يتناول تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، ويناقش تأثيرها على مكانة الولايات المتحدة وحلفائها، إضافة إلى انعكاساتها على التوازنات الإقليمية والدولية.

 

خطاب النصر في مواجهة الواقع

 

يستعرض الكاتب سلسلة من التصريحات التي أعلن خلالها ترامب انتصاره في الحرب قبل انتهائها، حيث كرر الحديث عن نجاح كامل واقتراب السلام أكثر من مرة خلال أشهر النزاع. ويرى أن هذا الخطاب عكس قناعة لدى الرئيس الأمريكي بإمكانية فرض روايته الخاصة على الأحداث، حتى عندما كانت الوقائع الميدانية تشير إلى نتائج مختلفة.

 

ويشير المقال إلى أن ترامب وقّع مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب في قصر فرساي الفرنسي، وهو الموقع الذي ارتبط تاريخيًا باتفاقيات أنهت صراعات كبرى. لكن الكاتب يعتبر أن اختيار المكان لم يغير من حقيقة أن الحرب انتهت بصورة بعيدة عن الأهداف التي أعلنتها الإدارة الأمريكية في بدايتها.

 

كما يلفت إلى أن شخصيات بارزة داخل الإدارة الأمريكية اضطرت لاحقًا إلى الدفاع عن نتائج الحرب، رغم تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، بما في ذلك انتقادات صدرت من دوائر سياسية وإعلامية مؤيدة لإسرائيل.

 

كيف عززت الحرب موقع إيران؟

 

يؤكد الكاتب أن الحرب أخفقت في تحقيق أهدافها الاستراتيجية الأساسية. فبدلًا من إضعاف إيران، ساهمت التطورات اللاحقة في تعزيز نفوذها الإقليمي ومنحها أوراق قوة جديدة في الاقتصاد العالمي، خاصة مع ارتباطها بممرات ومصالح استراتيجية مهمة.

 

ويضيف أن دول الخليج خرجت بانطباع مفاده أن الولايات المتحدة لم تعد الحليف القادر على توفير الحماية الكاملة لشركائها، بينما استفادت الصين من تراجع الثقة في الدور الأمريكي وزادت فرصها لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة.

 

ويرى المقال أن الحرب ألحقت ضررًا كذلك بالعلاقات الأمريكية مع عدد من الحلفاء الأوروبيين الذين فضلوا الابتعاد عن التصعيد العسكري. كما أدت إلى استنزاف قدرات عسكرية وسياسية أمريكية دون تحقيق مكاسب ملموسة تتناسب مع حجم التكاليف.

 

ويشير الكاتب إلى أن ترامب طرح في مراحل مختلفة فكرة تغيير النظام الإيراني باعتبارها أحد أهداف الحرب، لكنه عاد لاحقًا ليمدح المسؤولين الإيرانيين ويصفهم بالعقلانية، الأمر الذي اعتبره تناقضًا واضحًا يقوض المبررات التي استند إليها التدخل العسكري منذ البداية.

 

دروس التاريخ ومستقبل القيادة الأمريكية

 

يقارن المقال بين تجربة ترامب وتجارب رؤساء أمريكيين سابقين واجهوا حروبًا طويلة ومعقدة مثل ليندون جونسون وريتشارد نيكسون خلال حرب فيتنام. ويؤكد أن هؤلاء القادة أدركوا أن خسارة الحروب تترك آثارًا سياسية عميقة قد تنهي المسيرة السياسية لأي زعيم منتخب.

 

ويذهب الكاتب إلى أن الديمقراطيات نادرًا ما تغفر لقادتها الإخفاقات العسكرية الكبرى، بينما تلجأ الأنظمة السلطوية عادة إلى القمع والسيطرة الإعلامية لإخفاء آثار الهزائم. ومن هذا المنطلق يرى أن محاولة تصوير الحرب على أنها انتصار رغم نتائجها الفعلية لن تنجح في محو تداعياتها السياسية.

 

كما ينتقد الاتفاق الذي أبرمته الإدارة الأمريكية مع إيران بعد انتهاء الحرب، معتبرًا أنه منح طهران مكاسب اقتصادية كبيرة من خلال تخفيف القيود على صادرات النفط وإتاحة الوصول إلى أصول مالية مجمدة، فضلًا عن إطلاق مسار تفاوضي جديد حول البرنامج النووي الإيراني.

 

وفي ختام مقاله، يستخدم الكاتب مقارنة تاريخية مع الإمبراطور الروماني كاليجولا الذي اشتهر بعروضه الاستعراضية وادعاءات الانتصار الرمزية. ويرى أن ترامب وقع في فخ مشابه، إذ انشغل بإعلان الانتصار والاحتفال به أكثر من انشغاله بتقييم النتائج الحقيقية للحرب. ويخلص إلى أن المبالغة في ادعاء النجاح قد تتحول في النهاية إلى دليل إضافي على حجم الإخفاق، خاصة عندما تتعارض الرواية الرسمية مع الوقائع التي يراها العالم بأسره.


www.theguardian.com/commentisfree/2026/jun/23/trump-iran-victory-rationale